الشريف محى الدين السنوسى.. طالبا فى بيروت 1952.

فى مثل هذا اليوم 5 اكتوبر.. منذ ستين عاما وقعت اول حادثة اغتيال سياسى فى ليبيا عقب استقلالها بثلاث سنوات. قبيل ظهيرة يوم الثلاثاء 5 اكتوبر 1954 اطلق شاب النار من مسدسه على ناظر الخاصه الملكيه ابراهيم احمد الشلحى وهو داخل سيارته وكان قد خرج من مقر رئاسة الوزراء فى بنغازى بعد لقاء جمعه برئيس الحكومه انذاك مصطفى بن حليم ..قاصدا قصر المنار الكائن على بعد مسافة قصيره من الرئاسه. فارق الحياه مباشرة وتمكن السائق والحرس من الامساك بالشاب القاتل وادخاله مؤقتا الى غرفة الحراسات بالمبنى.. انتظارا لنقله الى جهة التحقيق. ولم يكن ذلك الشاب سوى الشريف محى الدين السنوسى. عمته الملكه فاطمه وجده لابيه احمد الشريف .حدثت ارباكات وفوضى من وقع المفاجاْه فى الشارع ومقر الحكومه والمحلات المجاوره.

كان الدوام لم ينته بعد وكذا الحصص فى المدارس القريبه. وثمة من يشاهد.. فاضافة الى العاملين بالمقر كان هناك بالقرب من مكتب الرئيس.. سكرتيره عبدالحميد بن حليم (العرم) وياوره الخاص عبدالسلام الكتاف ومحمود بوقويطين قائد قوة دفاع برقه وصهر المجنى عليه. وكان ايضا رئيس المجلس التنفيذى لولاية فزان سيف النصر عبدالجليل الذى حضر فى مهمة عمل مع عمه عمر سيف النصر والى فزان. هرع السيد سيف النصر الى مكان الواقعه ليتبين الامر فوجد السيد الشلحى ملقى على مقعد السياره والدم ينزف منه وطربوشه سقط اسفل رجليه. كانت السياره التى يستقلها همبر من النوع القديم وتحوى اربعة مقاعد فى الخلف.
كان الحادث مفاجئا للجميع. فالقتيل شخصية قريبة من الملك والقاتل من العائله المالكه.. وعمته الملكه! اعلنت الطوارى فى برقه واستدعى والى برقه حسين مازق لمواصلة مهامه بعد ان كان موقوفا عن العمل باْمر الملك بسبب زيارة احد المعمرين الطليان الى برقه ولم يكن فى الواقع له اى دخل مباشر فيها. اودع الشريف سجن بنغازى الرئيسى وشيعت جنازة الشلحى فى اليوم التالى بمدينة البيضاء بحضور الملك شخصيا وكثير من رجال الدوله. دفن الى جوار الصحابى رويفع الانصارى وكان قد اْم المشيعين فى صلاة الجنازه الشيخ عمر الهمامى. وبعد ايام شرعت محكمة الجنايات فى بنغازى فى جلساتها للنظر فى القضيه الكبيره بمقرها القديم فى شارع عمر بن العاص والذى اضحى لاحقا مطبعة حكوميه الى ازالته.

كان الموقف صعبا. حصل شرخ فى العائله بهذا العمل الفردى. وتداعت تفاصيله على ليبيا. وشعر الملك باْنه موجه اليه بطريقة ما فى الاساس. فاعتزل بنغازى وغادرها الى طبرق وربما كره السياسه ومداولة الشؤون وصارت تملؤه الظنون والشكوك. وتطايرت الاسئله دون اجوبه.. ماهى الاسباب والدوافع؟ لمصلحة من تم الاغتيال؟ ولماذا.. ومن وراءه؟ وهل هو نهاية لامور خفيه.. ام بداية لها؟

ولد ابراهيم احمد الشلحى فى زاوية اقفنطه فى الجبل الاخضر عام 1899. كانت اسرته ذات اصول جزائريه وليست من الشلوح الامازيغ كما يتردد. قدم جده مع السيد محمد بن على السنوسى. وتولت الاسره زمام الزاويه فى اقفنطه بعد انشائه وقد تعلم الشلحى بها وفى عام 1914 خلال بدء الحرب العالميه كان ضمن الحرس الخاص بالسيد احمد الشريف فى جهاده ضد الانجليز والطليان. وقد اشار الملك ادريس فى مذكراته التى نشر الجزء الاول منها عقب اغتيال الشلحى فى صحيفة الزمان ببنغازى فى عددها (58) الصادر يوم الخميس 27 يناير 1955.. الى بداية معرفته بناظر خاصته قائلا.. (عندما اعتزمت التحول من السلوم الى برقه طلبت من السيد احمد الشريف تزويدى بشخص يحوز ثقته لاْوليه اوراقى الخاصه فدلنى على ابراهيم الشلحى قائلا.. باْنه من عائلة طيبه وشجاع وامين على الاسرار.. فاْخذته وفعلا وجدته عند ظن السيد احمد الشريف وكان على جانب من التدين والاستقامه والوطنية النزيهه). بالطبع لم يكن يدرى الجد ان الحفيد.. سيقتل بعد مدة تقارب الاربعين عاما رجلا اخلص له ثم لابن عمه اميرا وملكا.

كان ابراهيم الشلحى مخلصا وامينا للملك بالدرجة الاولى منذ سنوات بعيده وكذا للعائله السنوسيه .. كبيرها وصغيرها. كان ثمة علاقات روحيه ونسب ومصاهره بينهما. وكان قريبا جدا من الملك فى كل الظروف.. فى حكومة اجدابيا وقد رافقه الى روما عام 1920 مع اعضاء تلك الحكومه.. وفى ديار الهجره بمصر.. وتقاسم معه وكل المهاجرين كل حلو ومر. وبعد العوده من هناك ثم عقب الاستقلال الى اغتياله. كان مصدر المعلومات للملك.. يتولى متابعة اموره الخاصه.. وينسق فى كل الاحوال مباشرة وان كان قد ابتعد عن الامور السياسية بعد الاستقلال وتفرغ لتلك الامور الخاصه بالملك. حادثة الاغتيال كانت اول مشكله سياسيه تواجهها ليبيا بعد استقلالها ونشاْ عنها ردات فعل عنيفه من الملك نحو اسرته ليس اقلها ابعادها الى اماكن خارج ولاية برقه. تلك الردات العنيفه غذاها الكثيرون واستفادوا منها وبدى الامر كما لو ان الملك لم يعد يسيطر على عاطفته تجاه ابناء القتيل واسرته.

وكان الشريف محى الدين السنوسى الذى ولد بمطروح عام 1936.. واكمل تعليمه فى بنغازى ثم سافر الى بيروت حيث درس فى كلية المقاصد الاسلاميه ثم الصيدله حتى وقوع حادث الاغتيال.. فيما قام به قد اعتبر من اغلب افراد العائله باْنه تصرف فردى وموقف خاص لايعبر عنها. قد تكون له مشاعر او احساسات متراكمه فى نفسه لم يكشفها لاْحد. وقد يكون تاْثر باجواء بيروت والشرق وربما تعاطف مع حركة القوميين العرب هناك وكان يرسل باعداد من نشرة (الثاْر) التى تصدرها فى بيروت الى بعض اصدقائه واقاربه من الشباب فى بنغازى. كانت الاجواء فى تلك الايام مازالت مشحونة بحوادث اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى رياض الصلح ثم الملك عبدالله فى الاردن وظلت مشحونة فى اعماقه وتفكيره حيال رموز السلطه المقربين. وقد استدعت السلطات الكثير من الاصدقاء فى بنغازى عقب الاغتيال للتحقيق وفتشت بعض بيوتهم ولم تجد ما يدل على علاقتهم بذلك الاغتيال.. وعلى سبيل المثال.. يوسف الدلنسى وطالب الرويعى ومحمود التونسى وسالم بوقعيقيص والمهدى المطردى ومصطفى الشيبانى وغيرهم. وفى كل الاحوال كان الشريف فى اغلب اوقاته يظل منعزلا لوحده لايشاهد كثيرا معهم الا فى بعض الاوقات.

انتهى الحادث بالحكم بالاعدام على الشريف ونفذ به شنقا صباح الاحد 6 فبراير 1955 بغرفة الاعدام فى سجن بنغازى الرئيسى بعد ان صدقه الملك.. وربما راْت العائله التى عانت من الابعاد تلك الفتره.. قصاصا شرعيا لا مناص منه.

الكثيرون راْوا فى موقف الشريف.. موقفا فرديا لا يمثل العائله السنوسيه ولاتتحمل نتائجه وراْوا ايضا انه بحماس الشباب وتهور السن ايضا لم يقدر العواقب ولم يدر باْن تصرفه سيحدث شرخا وانقساما فى عائلته بكاملها.. وستعانى عمته الملكه جراء ذلك كثيرا من اطراف عديده نجحت فى اذكاء نار الصراع الخفى.

بعد حادث الاغتيال باسبوعين وصل مندوب مجلة المصور فى القاهره الى بنغازى واعد تحقيقا عن ذلك وقابل الشريف فى محبسه ولم يصرح له بشىْ والتقط له بعض الصور. وتداعت الكثير من الانباء والتحليلات فى المنطقه وخارجها باْن صراعا سياسيا يدور فى ليبيا حديثة الاستقلال.. وان هناك مشاكل تحت الرماد ستظهر ذات يوم.

واليوم 5 اكتوبر 2014.. بعد ستين سنة من ذلك الذى تم.. وما نشاْ عنه من تفاصيل واحداث بات من المؤكد باْن هذا العمل وان كان فرديا يتعلق بالشريف محى الدين رحمه الله ولايتصل بالعائلة على الاطلاق.. الا انه يحمل فى خفاياه الكثير من الاسرار والحقائق التى ستكشف باْن الجناة الحقيقيون الذين دفعوا بالشريف من وراء ستار وغرروا به قد اخطاْوا عندما اتجهوا بمؤامرتهم الى (المكان الخطاْ).. فى (الموعد الخطاْ) وكان عليهم -ماداموا قد ارادوا الاغتيال سبيلا الى تحقيق مقاصدهم -الى غير افراد العائله. وسيظل السؤال معلقا.. متى يظهر الجناة الحقيقيون.. فقد ظلموا الشلحى والشريف.. والوطن كله!!

   
امر جنائى ضد ابراهيم الشلحى بتغريمه خمسة عشر قرشا مصريا لعدم تقديم ابنته للتطعيم
عقب مولدها. القاهره 21.11.1942. ثم بخط يده اشار بقيامه بذلك فى 12.12.1942.
ثم بخط يده اشار بقيامه بذلك فى 12.12.1942.
وثيقة سفر مؤقته صادره لابراهيم الشلحى من الاداره العسكريه البريطانيه ببرقه فى 22.10.1947
وثيقة سفر مؤقته صادره لابراهيم الشلحى من الاداره العسكريه البريطانيه ببرقه فى 22.10.1947.
الملك ادريس مع مجموعة من كبار وشباب العائله السنوسيه
ومعهم ابراهيم الشلحى. سيدى ارحومه. المرج 1951
 
مجلة المصور. القاهره 22.10.1954. تحقيق عن الاغتيال ولقاء مع الشريف فى سجن بنغازى الرئيسى.
                                  

مجلة المصور. القاهره 22.10.1954. تحقيق عن الاغتيال ولقاء مع الشريف فى سجن بنغازى الرئيسى.
مجلة المصور. القاهره 22.10.1954. تحقيق عن الاغتيال ولقاء مع الشريف فى سجن بنغازى الرئيسى.

 مجلة المصور. القاهره 22.10.1954. تحقيق عن الاغتيال ولقاء مع الشريف فى سجن بنغازى الرئيسى.
محضر انتهاء تفتيش منزل يوسف الدلنسى فى بنغازى عقب اغتيال
الشلحى اعده الملازم ثانى عبدالحميد عوض فى 11 اكتوبر 1954.

خبر اعدام الشريف محى الدين السنوسى. صحيفة برقه الجديده. بنغازى العدد 2046. 6 فبراير 1955.